إنخفاض أسعار النفط سيف ذو حدَّين على القطاع العقاري

حذَّرت مؤسَّسة ستاندرد آند بورز “Standard & Poor’s” للتصنيف الإئتماني من أنَّ إستمرار إنخفاض أسعار النفط لفترة طويلة سيؤدِّي على الأرجح إلى تباطؤ إقتصادات دول الخليج ومشاريعها في مجال البنية التحتية، إذ تشكِّل العائدات النفطية  46 في المئة من متوسِّط العائدات في دول مجلس التعاون الخليجي، في حين تشكِّل الصادرات النفطية ثلاثة أرباع الصادرات. وتوالت التقارير التي تحذِّر من تراجع أسعار النفط وإنعكاساتها سواء في البلدان العربية أو الأجنبية، وبقيت الآثار الناجمة على قطاع العقارات من جرَّاء هذه  التقلُّبات غير واضحة المعالم.

إستمرار إنخفاض أسعار النفط لفترة طويلة سيؤدِّي على الأرجح إلى تباطؤ إقتصادات دول الخليج ومشاريعها في مجال البنية التحتية

وتفاوتت آراء المحلِّلين حول مدى تأثير إنخفاض أسعار النفط على أوضاع الأسواق العقارية سواء في البلدان العربية أو الأجنبية، لا سيما تلك المصدِّرة للنفط ، ففي الإمارات والكويت والسعودية على سبيل المثال قلَّل المحلِّلون من وقع تقلُّبات أسعار النفط على السوق العقارية، أما في العراق فإعتبر المحلِّلون أنَّ القطاع العقاري أوَّل المتضرِّرين من إنخفاض أسعار النفط، وفي روسيا كان لإنخفاض أسعار النفط أثار مدمِّرة، على عكس الصين الذي أنعش هذا الإنخفاض إقتصادها، فيما شهدت كندا وأميركا تذبذبات وإنعكاسات إيجابية وسلبية في آن.

وفي إطار تحليل التأثير الكلِّي للإنخفاض الحالي لأسعار النفط على سوق العقارات، أجرت مجلة  DORCHESTER تحقيقاً ميدانياً شمل عدداً من البلدان المصدِّرة والمستوردة للنفط عربية وأجنبية قابلت فيها عدداً من الشخصيات والمحلِّلين النفطيِّين العالميِّين.

الإمارات .. تراجع في المشاريع العقارية

يترقَّب العديد من الخبراء في الإمارات ما يمكن أن ينتج عن إنخفاض أسعار النفط ، وقد إعتبروا  أنَّ هذا الإنخفاض سيكون في مصلحة من يمتلك السيولة النقدية ومن سيوجِّهها بالشكل الصحيح ويختار الفرص المناسبة، ورأوا أنَّ القطاع العقاري في الدولة قادر على مواصلة النمو خلال السنوات المقبلة، مستفيداً من الأداء القوي للإقتصاد الكلِّي، ووجود قاعدة تشريعية قوية لتنظيم وضبط السوق،  لكنَّهم لم ينفوا في المقابل بعض الأثر الذي ستخلِّفه تقلُّبات الأسعار النفطية، وهو ما أكَّده مسؤول إدارة العقار في شركة خدمة للعقارات محمد البهنساوي، مشيراً إلى أنَّ إنخفاض أسعار النفط سيؤثِّر على السوق العقارية وذلك بسبب العلاقة الوطيدة بين أسعار النفط وأسعار العقارات وقال: “من الوارد جداً أن يتراجع عدد الإستثمارات في هذا القطاع للمحافظة على توافر السيولة النقدية”.

وعن كيفية تعامل الشركات العقارية مع هذه الإنخفاضات لفت البهنساوي إلى أنَّه يجري التعامل معها بحرص تام في عدد محدَّد من الإستثمارات، مؤكِّداً أنَّ العديد من هذه الإستثمارات في القطاع العقاري ستتأثَّر حكماً ولكن من الممكن الإستفادة منها من خلال المضاربة بأسهم شركات النفط التي تواجه إنخفاضاً شديداً.

وبالنسبة للمشاريع العقارية المدعومة من الحكومة أوضح البهنساوي أنَّ هذه المشاريع تتوافر لها السيولة اللازمة وبالتالي لا تتأثَّر، على عكس المشاريع الخاصة.

وهو ما أشار إليه أيضاً محمد حمدي المسؤول في بنك الخليج الأول، لافتاً إلى أنَّ الإنخفاض في مصلحة من يمتلك القدرة على الإستثمار في مشروعات متجدِّدة  كمجال الطاقة والتعليم والصحة، إلاَّ أنَّه رأى في المقابل أنَّه لا يمكن  للخبراء  التنبُّؤ،  موضحاً أنَّ لإنخفاض أسعار النفط بُعد جيوسياسي مرتبط بما يحدث في المنطقة.

أما عن الرابط بين الرهون العقارية وإنخفاض أسعار النفط،  فإعتبر حمدي أنَّ بعض المطوِّرين ورجال الأعمال يربطون الإستثمارات العقارية بوفرة تداولات الأوراق المالية أو توفُّر السيولة المناسبة ومن هنا يكمن خطر الإندماج الرأسمالي، ويأتي ذلك في وقت أكَّد تقرير أصدرته مؤسَّسة فايدار الإستشارية في دبي  أنَّه لم يجرِ العثور على أي علاقة بين أسعار النفط وأسعار العقارات، أو بين الناتج المحلِّي الإجمالي وأسعار العقارات التي هي جزء من معادلة العرض والطلب والسوق، ومع ذلك لم ينكر التقرير بأنَّ للنفط  تأثير غير مباشر على السوق العقاري، لكنَّ التأثير لن يكون على المدى البعيد بحسب مهى قطب (خبيرة عقارية و إدارية في شركة Gravity Real Estate  وعلَّلت ذلك بوجود بعض الأسواق الناشئة التي لا تعتمد بشكل كبير على مجال النفط، ومن هنا فإنَّ التأثير ممكن أن يكون إيجابي لبعض هذه الأسواق التي قد تعكس نمواً عاماً على المدى المتوسِّط.

الكويت.. تراجع أسعار النفط لن يزيد من الفرص العقارية

وكما في الإمارات كذلك في الكويت، حيث أعرب المسؤول المصرفي في إدارة الخزينة في بنك بيت التمويل الكويتي “بيتك” عبد الوهاب الرشود عن إعتقاده بأنَّ تراجع أسعار النفط لن يزيد من الفرص العقارية في الكويت، بإعتبار أنَّ السوق المحلِّية  لا تتأثر بأحداث مرحلية، حتى لو كانت هذه الأحداث هي تراجع أسعار النفط إلى مستويات منخفضة قياساً بأسعاره قبل ما يقارب العام وقال: ” أصحاب السيولة محلِّياً هم دوماً من يفوز بالصفقات العقارية المغرية، وهذا ما حدث تحديداً بعد الأزمة المالية العالمية التي تعرَّضت لها الأسواق في عام 2008، حيث قادت التعثُّرات التي تعرَّضت لها الشركات الإستثمارية والعقارية إلى طرح فرص إستثمارية مميَّزة، لا سيما وأنَّ فائض الفرص العقارية المطروحة للإستثمار تحدث عادةً بسبب التعثُّر أو بسبب إنقطاع خطوط التمويل، وأحياناً في حال تلقِّي المالك فرصة عقارية أفضل، وكلا الحالتين لم تحدثا في الكويت، ما يجعل السوق العقاري الكويتي غير معرَّض  لزيادة العرض على الطلب.

وأوضح الرشود أنَّه لا يوجد رابط بين الرهون العقارية وإنخفاض أسعار النفط  كون الرهونات العقارية المسجَّلة في محافظ البنوك الإئتمانية  في الكويت مرتبطة  في الأساس بإستثمارات عقارية وأسهم بعيدة عن الشركات التي ستتأثَّر بتداعيات المنحى النفطي الحاصل في الفترة الأخيرة.

أما بالنسبة للشركات العقارية ومدى أثر إنخفاض أسعار النفط على أدائها، فقد أكَّد رئيس مجلس إدارة شركة الإستشارات المالية الدولية “إيفا” صالح السلمي، أن لا تأثير للنفط على السوق العقارية لأنَّ الإقتصاد الكويتي يعاني في الأصل من إختلال هيكلي، جعل من السوق العقارية  غير مستفيدة من فوائض العوائد النفطية في  فترة الإزدهار، ولذا من الطبيعي أن لا تخسر في فترة التراجع. وأوضح أنَّ التغيُّرات الحاصلة في قطاع العقار السكني الذي شهد تراجعات في الطلب عليه غير مرتبط بتراجع أسعار النفط،  إنما بالسياسة النقدية  التي أقرَّها بنك الكويت المركزي مؤخَّراً وأدَّت إلى تقنين الإئتمان العقاري الموجَّه إلى السكن الخاص، ومع تراجع مستويات السيولة المتداولة في هذا القطاع كان طبيعياً تأثُّره، وفي المقابل زاد الطلب على عقار السكن الإستثماري، بإعتباره النافذة الأكثر ربحية مع تذبذب سوق الأسهم، وندرة الفرص الإستثمارية الأخرى المشجِّعة على ضخ الإستثمارات.

أما رئيس مجلس إدارة مجموعة البسام العقارية أحمد البسام فأشار بدوره الى أنَّ السوق العقارية في الكويت لم تتأثَّر بتراجعات أسواق النفط الحاصلة وقال: ” ربما يكون تراجع أسعار النفط قد أحدث تقلُّبات في السوق العقارية بسبب العامل النفسي للمستثمرين، إلاَّ أنَّ جميع المشاريع العقارية  لم ترتبط يوماً بالنشاط النفطي، كما أنَّ الطلب على العقار الكويتي مرتفع جداً ويعدّ مصدر إستثمار آمن”.

وإذا كان من المتوقَّع أن تحتاج سوق النفط  بعضاً من الوقت لإستعادة توازنها، إلاَّ أنَّ السوق العقارية الكويتية تتمتَّع بخصوصية تجعل لديها المقدرة على إستعادة توازنها بنفسها، بمنأى عن الفترة التي يمكن أن  يستغرقها السوق النفطي في إستعادة توازنه بحسب البسام.

السعودية .. ستشهد نهضة لا مثيل لها تنعكس على الإقتصاد الخليجي برمَّته

تشير التقديرات إلى أنَّ إحتياطات النفط في المملكة العربية السعودية  تصل إلى 267 مليار برميل، وهي ثاني أكبر إحتياطي في العالم ، بعد فنزويلا، وتعتمد المملكة على عائداتها النفطية بالدرجة الأولى لنمو إقتصادها، وهو ما وافق عليه المدير التنفيذي لمجموعة بن لادن السعودية منصور طوقان،  وأشار إلى أنَّ المملكة العربية السعودية ستشكِّل في نهاية عام 2015 عجزاً في الميزانية يصل إلى 4.7 في المئة من الناتج المحلِّي الإجمالي وسيكون هذا أول عجز منذ العام 2009 وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، علماً أنَّ هذا العجز لن يشكِّل أي تأثير يُذكر على الإقتصاد على المدى القريب كون المملكة تعتمد على حصَّتها السوقية في منظمة أوبك ( OPEC) وليس على سعر النفط الخام، وبالتالي فإنَّ القطاع العقاري لن يتأثَّر بشكل مباشر، بل على العكس، ستعمل أسعار السوق العقارية على فرض أرضية سعرية واقعية ملموسة قابلة للإرتفاع مع  إستقرار أسعار النفط في المنطقة.

ولفت طوقان إلى أنَّ الأولوية تكمن في  إستكمال المشاريع التي تمَّ البدء في تنفيذها وغيرها من المشاريع ذات الأهمية الإستراتيجية أو العائد الإقتصادي والإجتماعي المرتفع لتنويع مصادر الدخل المحلِّي.

وختم بالقول: “سيبقى سوق القطاع العقاري المحلِّي والعالمي متوازناً نظراً لعدم إستقرار الأسواق والبورصات العالمية، فجميع المستثمرين والمضاربين يقومون بشراء الذهب كملاذ آمن في حين أنَّ سعر الذهب والفضة في تراجع كبير مما قد يؤدِّي بالمستثمرين إلى الشراء والإستثمار في القطاع العقاري نظراً  لثبات وتماسك الأسعار في الوقت الراهن”.

وهذا ما أكَّده أيضاً المحلِّل المالي والإقتصادي في مجال النفط الدكتور عبد الله الحويش مشيراً إلى أنَّ المملكة العربية السعودية تمتلك فوائض مالية تصل إلى نحو 2 تريليون و 102 مليار ريال سواء كانت في شكل إحتياطيات من النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية أو إستثمارات في الخارج أو أصول مملوكة لصناديق الإستثمار السيادية. وتبلغ النفقات العامة في  ميزانية المملكة لعام 2015 حوالي  860 مليار ريـال أي ما يعادل 229.3 مليار دولار، ما يشير إلى إرتفاع الإنفاق الحكومي لمستوى قياسي رغم التحدِّيات الإقتصادية. كما جاء الأمر الملكي مؤخَّراً الخاص بتسريع إستفادة المواطنين من مخطَّطات المنح في مناطق المملكة، من خلال إعتماد 20 مليار ريال لتنفيذ خدمات الكهرباء والمياه، لافتاً إلى أن هذا الأمر شكَّل نقلة نوعية في مخططات  توفير البنية التحتية للأراضي الحكومية التي لا تزال دون خدمات ومرافق.

وبناءً على هذه المعطيات توّقع الحويش عدم تأثُّر نمو القطاع العقاري بإنخفاض سعر النفط، معتبراً  أنَّ هذا النمو سيستمر في هذا  القطاع المهم لسد فجوة المساكن وتلبية الزيادة في معدل النمو السكاني والتطوُّر المعيشي في السعودية.

وأكَّد الحويش أنَّ النهج الذي أقرَّته الحكومة في الإستثمار في المشاريع التنموية لقطاعات التعليم والصحة والخدمات الإجتماعية، وتواصل إنتهاج سياسة مالية معاكسة للدورات الإقتصادية لتقوية وضع المالية العامة، وتعزيز إستدامتها، يؤكِّد أن لا تأثير لإنخفاض سعر النفط على أسعار العقار في المملكة لا على المدى القصير ولا المتوسِّط. وشدَّد كذلك على عدم وجود أي أثر لإنخفاض سعر النفط على  الرهون العقارية على المدى القصير والمتوسِّط أيضاً، حيث أنَّ الشركات التمويلية والمصارف تنتهج سياسات وإجراءات إئتمانية تعتمد على الملاءة المالية للعملاء، هذا بالإضافة إلى قرار مؤسَّسة النقد العربي السعودي عبر لائحة التمويل العقاري تحديد الدفعة الأولى للباحثين عن تملُّك السكن من خلال دفع 30 في المئة من القيمة العامة للعقار، الذي تمَّ تطبيقه مؤخَّراً، وكل هذه الأمور تحد من تأثير إنخفاض أسعار العقار على الرهون العقارية.

أما المحلِّل خالد المبيِّض، فأعرب عن إعتقاده بعدم وجود إرتباط مباشر بين أسعار النفط وأسعار العقارات، حيث أنَّ السوق العقاري السعودي يملك خصوصية عن سائر أسواق الخليج لجهة الطلب الكبير والمستمر من قبل المواطنين، ولفت إلى قيام الحكومة بإجراءات عدة لطمأنة القطاعات بعد الإنخفاض الكبير في سعر النفط وفي مقدِّمها محافظتها على نسبة الإنفاق في المشاريع الحيوية وتغطية العجز من الإحتياطي، وهذا الأمر كان له دور كبير في تطمين تخوُّف المستثمرين.

ولفت المبيِّض أنَّ إنخفاض أسعار النفط لن يؤثِّر على القطاع العقاري لجهة إنخفاض القدرة الشرائية لدى المواطنين، لا سيما وأنَّ معظمهم من موظفي القطاع الحكومي أو القطاع الخاص ويعتمدون على رواتبهم الشهرية في دفع تكاليف شراء الوحدات السكنية، وهو دخل ثابت لا يتغيَّر مباشرةً مع نقص الإيرادات الحكومية من النفط.

tatmeen_187797680 copy

العراق .. إنخفاض أسعار النفط أثَّر على المشاريع الإستراتيجية

يمثِّل النفط  في العراق عصب الحياة، وتُعتبر الموارد النفطية الركن الرئيسي في الموازنة العامة للسياسة الإقتصادية في البلاد، وتشكِّل أكثر من 94 في المئة من ميزانية الدولة، وقد كان قطاع العقارات في مقدِّمة القطاعات المتضرِّرة من إنخفاض أسعار النفط،  إذ صاحَب هذا الإنخفاض تقشُّفاً في الإنفاق الحكومي وتراجعاً في الأداء الإقتصادي، إنعكس سلباً على حركة البيع والشراء في قطاع العقارات.

وهو ما حذَّر منه وزير النفط العراقي الدكتور عادل عبد المهدي، في مقابلة خاصة لمجلة DORCHESTER ،معتبراً أنَّ هنالك خطراً يحدق بالعراق في ظل التراجع الحاد في أسعار النفط على المستوى العالمي وإنعكاساته على المستوى المحلِّي، لا سيما وأنَّ الأخير يعتمد بالكاد على عائداته النفطية لإمداد خزانته بالسيولة الكفيلة بتوفير سائر متطلِّباته المجتمعية، فضلاً عن سداد ما ترتَّب عليه من ديون للمجتمع الدولي عموماً ودول الإقليم خصوصاً.

وأعرب الوزير العراقي عن أسفه لظهور مشـكلتين ضاغطتين عانت منها الوزارة بعد تشكيل الحكومة، وإنعــكــست سلباً على أداء الــوزارة في بعــض تعامــلاتهــا مع شـــــركات النفـط العاملة في العراق، فـــضلاً عــن تأثيـرها في إستراتيجية عمل الوزارة، تمثَّلت الأولى بتراكم مستحقَّات الشركات والثانية بإنهيار أسعار النفط.

وأكَّد عبد المهدي أنَّ الوزارة في الوقت الحاضر تفاوض الشركات بإتجاه عودة حصة الشريك الحكومي إلى 20-25 في المئة. إضافةً لمناقشة برامج الإنتاج ومعدَّلات الذروة وفترات تنفيذ العقود وغيرها، ناهيك عن تحسين الدوافع لدى الشركات من جهة،  وتنويع مصادر دخل الدولة وتقليل العبء المالي عليها من جهة أخرى، لكي تتمكَّن من رصد المبالغ المطلوبة لتعزيز وضع السوق العقارية وغيرها من الأسواق العراقية.

هذا وقد حذَّرت العديد من الدراسات من حالة الكساد التي يشهدها سوق العقارات في العراق، وحمَّلوا الحكومة العراقية مسؤولية ذلك، معتبرين أنَّ الأوضاع الأمنية كانت سبباً رئيسا لهذا الكساد، ومما زاد الطين بلَّة هو الإنخفاض الحاد لأسعار النفط والذي أدَّى إلى ركود غير مسبوق في السوق، وأكَّد معظم الخبراء أنَّ حركة سوق العقارات باتت تقتصر على الإيجارات فقط، أما عمليات البيع والشراء فباتت شبه معدومة، علماً أنَّ العراق يعيش تحت وطأة أزمة سكن حادة، ما دفع الحكومة إلى وضع خطط لمعالجة أزمة السكن بحلول عام 2020، وقد إصطدمت هذه الخطط بتقلُّص الإنفاق الحكومي نتيجة إنخفاض أسعار النفط ، وهو ما أكَّده الخبير في الشؤون النفطية عاصم جهاد،  موضحاً  أنَّ إنخفاض أسعار النفط أثَر بشكل سلبي على إقتصاد العراق بشكل عام، وعلى قطاعه العقاري بشكل خاص، مشيراً إلى أنَّ قضية إنخفاض أسعار النفط لا تخص العراق فحسب، إنما جميع الدول المصدِّرة للنفط وقال: ” إنَّ قرار المنظمة حول تخفيض سقف إنتاج الدول الأعضاء سيواجه معارضة شديدة من قبل العراق على وجه الخصوص لأنَّه لم يحصل إلى اليوم على حصَّته المتفق عليها في عمليات التصدير”.

الدول غير المنتجة للنفط

أما بالنسبة للدول غير المنتجة أو المصدِّرة للنفط مثل لبنان ومصر، فإنَّ أثر إنخفاض أسعاره يتفاوت وينعكس بحسب الخبراء بشكل رئيسي على أسعار مواد البناء من  حديد وإسمنت، ما يعطي الأمل بأنَّ أسعار الشقق ستنخفض، خصوصاً وأنَّ هذه المواد تشكِّل  نحو 20 في المئة من كلفة البناء. ولبنان كما مصر هما من الدول المستهلكة للنفط، لذلك فقد رأى الخبراء أنَّ تراجع أسعار النفط سيرفع من حجم الإستهلاك، ليس  في القطاع العقاري فحسب، بل في مجمل القطاعات مع إرتفاع الطلب على مجمل السلع، الأمر الذي سيساهم في تخفيض نسب التضخم.   

ألمانيا.. مشاريع الطاقة النظيفة قد تتباطىء بفعل إنخفاض أسعار النفط

ومن  الدول العربية المعنية بمستويات إنخفاض أسعار النفط إلى الدول الأجنبية التي ترتبط أسواقها بشكل مباشر أو غير مباشر بالنفط ومن ضمنها ألمانيا، حيث أشار الخبير النفطي والمالي البروفيسور  Olaf Stotz،  إلى أنَّ  أداء الإقتصاد الألماني سيكون أفضل من المتوقَّع في عام 2015، لأسباب عدَّة أبرزها إرتفاع ثقة المستهلكين من جرَّاء إنخفاض أسعار النفط. ولفت إلى أنَّ أسواق العقارات لن تتأثَّر على المدى القريب بهذا الإنخفاض، إلاَّ أنَّ هذا الأثر سيظهر في المدى الطويل فيما يتعلَّق بمشاريع الطاقة النظيفة والتي قد تتباطىء بفعل إنخفاض أسعار النفط، وشدَّد على عدم وجود رابط فعلي بين إنخفاض أسعار النفط وأسعار العقارات.

 أما بالنسبة إلى المصارف، إعتبر Stotz  أنَّ أثر إنخفاض النفط على أدائها محدود جداً، لا سيما وأنَّ تعاملاتها المالية لا ترتبط إرتباطاً مباشراً بالنفط، لافتاً إلى أنَّ الأثر سيكون بطبيعة الحال إيجابي على كل مؤسَّسات القطاع الخاص نظراً لإنخفاض فاتورة الطاقة ما يعزِّز ثقة المستهلكين.

وشدَّد على ضرورة عدم المبالغة في إيجابيات أو سلبيات إنخفاض أسعار النفط، متوقِّعاً أن يستمر الإنخفاض بمطلق الأحوال وإن كان على المدى القريب،  ورأى أنَّ أفضل فُرص الإستثمار في ألمانيا تتمحور حول إستثمارات الشركات العالمية التي من الممكن أن تستفيد من ضعف اليورو،  فضلاً عن الإستثمار في القطاع العقاري الذي يؤدِّي إلى أرباح عادلة، ويضاف إلى ذلك الإستثمار في البنى التحتية.

كندا .. تذبذُب الإقتصاد من جرَّاء تراجع أسعار النفط

أما Don Campbell  المحلِّل العقاري والشريك المؤسِّس في شركة  Real Estate Investment Network naft-Kuwait+Finance+HouseREIN (المتخصَّصة بتقديم النصائح الإقتصادية، المالية، واللوجستية والدراسات والأبحاث للمستثمرين)، فرأى أنَّ الأسواق العالمية كافةً ستتأثَّر وبنسب متفاوتة من جرَّاء إنخفاض أسعار النفط،  فإقتصاد الأسواق المصدِّرة للنفط سيشهد تباطوءاً بطبيعة الحال، أما بالنسبة للدول المستوردة للنفط فإنَّ الأمر مختلف، إذ سيشهد الطلب على النفط في أسواقها إرتفاعاً ملحوظاً، ومثال على ذلك، منطقة إنتاج النفط في كندا وتحديداً في  البرتا “Alberta”  ونيوفاوندلاند “Newfoundland” إذ تعاني هذه المناطق اليوم من إنخفاض أسعار النفط،  في مقابل إنتعاش مناطق التصنيع في أونتاريو “Ontario” وكيبيك “Quebec” وقد شكَّل لها إنخفاض النفط حافزاً للإنتاج.

وبالنسبة للآثار المترتِّبة من إنخفاض أسعار النفط على القطاع العقاري، أكَّد Campbell أنَّ كندا تمتلك أسواقاً إقليمية صغيرة وكل سوق مستقل عن الآخر وله حيثيَّاته، وبالتالي فكل سوق سيتأثَّر بطريقة مختلفة عن غيره، فهنالك أسواق سيشكِّل لها إنخفاض أسعار النفط حافزاً لزيادة إنتاجها، لا سيما في مجال التصنيع، ما يؤدِّي إلى زيادة الطلب على المساكن مثل  هاميلتون “Hamilton” ، كيتشنر “Kitchener” ، واترلو “Waterloo”، وكامبريدج “Cambridge”، وهنالك أسواق تستفيد من خفض الدولار فتجلُب رؤوس أموال أجنبية للإستثمار فيها، التي بدورها تُسهم في زيادة الطلب على العقارات مثل فانكوفر “Vancouver” وتورونتو “Toronto”، وهنالك مدن تعتمد على إنتاج الطاقة والنفط وهي ستتأثَّر حكماً بشكل سلبي مثل ساسكاتون “Saskatoon”، إدمونتون “Edmonton”، كالجاري “Calgary”، فورت ماكموراي “Ft. McMurray” و غراند بريري “Grande Prairie”

ولفت Campbell إلى أنَّ من يرغب بشراء المنتجات العقارية في كندا، لا بدَّ له من دراسة إتِّجاهات الأسواق المختلفة والإستثمار في المكان المناسب.

وحول ما إذا كان الإنخفاض في أسعار النفط سوف يخفِّض من حجم الإستثمارات الجديدة في قطاع العقارات في كندا والعالم بشكل عام، أو أنَّه سوف يعزِّز من جاذبيَّة الإستثمارات العقارية نظراً لكونه أداة إستثمارية آمنة،  أشار إلى أنَّ أميركا الشمالية على سبيل المثال، تشهد اليوم نسبة عالية ممن أصبحوا في سن التقاعد  (حوالي 27 في المئة من السكان) ما يعني أنَّ هذه النسبة تبحث عن دخل بديل وفي مقدِّمه الإستثمار في العقارات،  سواءً كانت سكنية أو تجارية، على إعتبار أنَّ هذا الخيار هو أداة إستثمارية آمنة بشكل أكبر من الأسهم والبورصة، وتؤمِّن لهم مدخولاً على المدى البعيد، ما يعني إستمرارية نمو القطاع العقاري في كندا.

روسيا .. آثار مدمِّرة على قطاع البناء

وفي روسيا يختلف الأمر عمَّا هو عليه في كندا، إذ أنَّ إقتصاد البلاد يعتمد بالدرجة الأولى على تصدير النفط، وهو ما أوضحه Chris Weafer الشريك في Macro-Advisory (شركة متخصِّصة بتقديم النصائح المالية والإستراتيجية للمستثمرين والشركات التى ترغب الإستثمار في روسيا)،  الذي أشار إلى أنَّ روسيا تعلَّمت درساً قاسياً من إنهيار أسعار النفط في النصف الثاني من عام 2008 ، فتحرَّكت هذه المرة بشكل فوري  لتعويم سعر الروبل الذي إنخفض بالسرعة نفسها مقابل الدولار، ما وفَّر حماية كاملة مقابل إنخفاض أسعار النفط، وحدَّ من عجز الموازنة لعام 2014 (0.5 في المئة من الناتج المحلِّي الإجمالي)، لا سيما وأنَّ عائدات النفط والغاز تشكِّل 25 في المئة من الناتج المحلِّي الإجمالي و 50 في المئة من إيرادات الموازنة، و 66 في المئة من إجمالي العائدات. ولفت Weafer إلى أنَّ إنخفاض سعر الروبل شكَّلoil_263525387 copyحافزاً غير مباشر لقطاع التصنيع المحلِّي حيث إستُبدِلت الواردات باهظة الثمن بالبدائل المحلِّية الأرخص سعراً، كما ساهم
بمساعدة الحكومة على رفع رواتب القطاع العام، وكل ذلك إنعكس إيجاباً على إقتصاد روسيا. لكنَّ Weafer لم ينفِ من جهة أخرى الأثر السلبي لإنخفاض أسعار النفط، إذ لفت إلى حدوث إنهيار في الإستثمارات الداخلية، أدَّت إلى تضخُّم وصل إلى 11.4 في المئة بنهاية عام 2014، ما إضطُرَّ البنك المركزي إلى التحرُّك ورفع سعر الفائدة الرئيسي من 5.5 في المئة في بداية عام 2014 إلى 17 في المئة بحلول نهاية العام. وخفَّضه بعد ذلك إلى  15 في المئة، لكنَّه لا يزال مدمِّراً للغاية بالنسبة لسوق البناء والإسكان إذ حدَّ من قدرة المواطنين على الإقتراض. وحذَّر من أنَّ إرتفاع معدَّلات التضخُّم سيكون له تأثير على القطاع العقاري في هذا العام أيضاً، ما سيؤدِّي إلى حالة ركود في البلاد. وقدَّم Weafer مثال عن ذلك “Sberbank” وهو أكبر مصرف في روسيا.

وقد  أعلن في كانون الثاني الماضي أنَّه رفع معدَّلات الرهن العقاري بمعدل  2 في المئة وكذلك رفع سقف الدفعة الأولى. كما توقَّف عن تقديم منتجات التمويل العقاري في إطار برنامجي ” Construction of Your Home”   و“Suburban Housing” اللذين يطالا الأفراد.

كما إعتبر Weafer أنَّ قطاع الإسكان سيكون من أكثر المتضرِّرين من جرَّاء إرتفاع أسعار الفائدة وإنخفاض الطلب بسبب الركود المتوقَّع في عام 2015. ورأى أنَّ مؤشِّرات  فصل الربيع كانت أسوأ بكثير من المتوقَّع،  وذلك بسبب إنخفاض أسعار النفط من جهة، فضلاً عن التقلُّبات السياسية من جهة أخرى.

OIL_255464518 copy

 أميركا .. أسعار النفط تنعكس على إقتصاد العالم برمَّته ومنها القطاع العقاري

أما في أميركا أمبراطورية الإقتصاد العالمي، فإنَّ الأمر يأخذ منحى آخر، ومن المؤكَّد كما قال  Edward Luttwak المستشار في the Center for Strategic and International Studies-CSIS والذي عمل لسنوات كمستشار في مكتب وزير الدفاع ومجلس الأمن الوطني، ووزارة الخارجية الأميركية والجيش الأميركي، وفي عدد من الشركات والمؤسَّسات الدولية، أنَّ أسعار النفط تنعكس على إقتصاد العالم برمَّته ومنها القطاع العقاري الذي ينكمش مع إنكماش الإقتصاد وينتعش مع إنتعاشه. ولم ينفِ Luttwak أثر إنخفاض أسعار النفط على المصارف سواء تلك العاملة في الداخل الأميركي أو تلك العاملة في البلدان المصدِّرة للنفط بإستثناء النرويج “Norway” ، وذلك من خلال تقلُّص نسبة الطلب على القروض من جهة، وإنخفاض الودائع من جهة أخرى، وقدَّم مثال على ذلك، كل من روسيا وفنزويلا اللتين كان لإنخفاض أسعار النفط أثر سلبي كبير عليهما.

ورأى Luttwak أنَّ إنخفاض أسعار النفط أدَّى الى إنخفاض مواد البناء المستوردة والتي كان إرتفاعها فيما مضى جزءاً من الإنكماش الذي يعاني منه الإقتصاد العالمي، ومع إنخفاضها ستنخفض حكماً تكاليف البناء.

وأشار إلى أنَّه وعلى الرغم من التصريحات الإيجابية لحكومات الدول المنتجة للنفط، وتأكيدها بعدم تأثُّر مشاريعها بإنخفاض أسعار النفط، إلاَّ أنَّ ذلك لا ينفي أنَّ إستمرار إنخفاض الأسعار سيكون له أثر سلبي على كل مشاريع هذه الدول، لا سيما تلك المتعلِّقة بالبنى التحتية، إذ ستضطر الحكومات إلى تقليص إنفاقاتها على هذه المشاريع لعدم قدرتها على تخفيض رواتب موظَّفيها في القطاع الحكومي، وتوقَّع Luttwak أن تبدأ عمليات تقليص الإنفاق الحكومي على المشاريع خلال الصيف الحالي حتى في أغنى الدول.

ونصح Luttwak جميع الراغبين بشراء العقارات، بعدم الإقدام على هذه الخطوة في زمن الإنكماش، ما لم تكون الأرباح مضمونة مئة في المئة، عازياً ذلك إلى التجارب التي حصلت منذ العام 1880 ولغاية اليوم والتي أثبتت أنَّ محفظة أسهم عالمية متنوِّعة، أفضل من التركيز على قطاع واحد وإن كان قطاع العقارات.

من جهته “John Goff” رئيس مجلس الإدارة، الرئيس التنفيذي في Goff Capital، (وهي شركة متخصِّصة بالإستثمارات العقارية)، شدَّد على عدم تأثُّر التدفُّق النقدي العقاري بشكل فوري من جرَّاء إنخفاض أسعار النفط بسبب عقود الإيجار الطويلة الأجل، لكنَّه أكَّد أنَّ العقود الجديدة في الأعمال التجارية لا بدَّ أن تتأثَّر خصوصاً في الأعمال والمشاريع المتعلِّقة بالطاقة، فضلاً عن تأثُّر قطاع التمويل.

أمَّا عن الولايات المتحدة  الأميركية ومدى تأثُّرها بإنخفاض أسعار النفط، فأوضح Goff أنَّ مركز صناعة الطاقة في هيوستن “Houston” مثلاً سيتأثَّر ولكن بشكل محدود، لافتاً إلى أنَّه لا يمكن تقييم نتائج الإنخفاض في الأسعار على المدى القريب، وأضاف أنَّ الأسواق التي تحيط مناطق إنتاج النفط في تكساس “Texas” على سبيل المثال، ستتأثَّر بدورها كـمدينة أوكلاهوما “Oklahoma” ودنفر ” Denver”، ولكن بمطلق الأحوال لا يمكن قياس مدى الأثر على الأسواق العقارية إلا بعد فترة من الإنكماش. كما شدَّد على أهميَّة السيولة في حال إضطراب الأسواق،  مؤكِّداً تراجع بعض الشركات إلى أكثر من 60 في المئة لجهة أدائها بسبب نقص السيولة، إلاَّ أنَّ الفُرص في عالم النفط والغاز ما زالت موجودة. ولم يستبعد GOFF إستمرار التقلُّبات الكبيرة في أسعار النفط في الأشهر المقبلة، لكنَّه شدَّد على ضرورة عدم تزعزُع قرارات المستثمرين العقاريِّين من جرَّاء هذه التقلُّبات، لا سيما إذا كانت الفُرص العقارية مغرية، لافتاً إلى أنَّ أزمة وول ستريت “Wall Street” مثال على رد الفعل المتسرِّع الذي أدَّى إلى إضطرابات وأزمات على المدى الطويل. ورأى أنَّ هيوستن على سبيل المثال، سوق جذَّابة للغاية للإستثمارات العقارية مستقبلاً.

وأعرب عن إعتقاده بأنَّ التقلُّبات في أسعار النفط اليوم هي عملية جيوسياسية، لافتاً إلى وجود توازن ولو بالحد الأدنى بين العرض والطلب، وقال: “السعودية تسيطر اليوم على أوبك وأعتقد أنَّ عملية تقلُّبات أسعار النفط تهدف إلى القضاء على المنتجين الهامشيِّين”.

الصين .. إنخفاض أسعار النفط أنعش الإقتصاد

oil_19944598 copyولأنَّ الصين بلد قائم على الصناعة، فقد ساهم إنخفاض أسعار النفط في إنعاش إقتصاده مع توافر الطاقة المخفِّضة للأسعار، وهو ما أوضحه  Rajiv Biswas وهو كبير الإقتصاديِّين في منطقة آسيا والمحيط الهادي في شركة IHS (المتخصَّصة في التوقُّعات الإقتصادية العالمية)، وأكَّد أنَّ الإنخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية خلق حافزاً لنمو الناتج المحلِّي الإجمالي الصيني في عام 2015، وخفَّض فاتورة الصين من النفط بنسبة تقدَّر بـ 100 مليار دولار أميركي، لافتاً إلى أنَّ الحكومة الصينية سارعت إلى إعداد برنامج إحتياطات نفطية إستراتيجي للإستفادة من هذا الإنخفاض، وأعلنت تخفيض أسعار مبيع الوقود بالتجزئة منذ تموز الماضي. وأكَّد أنَّه على الرغم من زيادة الضرائب على إستهلاك منتجات النفط من أجل تمويل برامج الطاقة النظيفة والحد من التلوُّث، إلاَّ أنَّ القوَّة الشرائية زادت لدى الصينيِّين مع إنخفاض أسعار النفط، وإعتبر أنَّ الآثار الإيجابية لإنخفاض سعر النفط ستظهر بشكل أكبر في العام الحالي،  وسينتعش الإقتصاد الذي شهد إختلالات من جرَّاء قطاع البناء والتشييد الذي تباطىء عام 2014، وتوقَّع أن يستمر هذا الإنتعاش  حتى عام 2018، إلى أن يعاود سعر النفط إرتفاعه.

ولفت Biswas إلى أنَّ إنخفاض أسعار النفط يساعد في تخفيف التضخُّم وما ينتج عنه من ضغوطات، لا سيما بالنسبة للصناعات التي تعتمد على إستهلاك الطاقة وفي مقدِّمها شركات الطيران والنقل البري والبحري.

وفيما يتعلَّق بالقطاع العقاري وما إذا كان لإنخفاض أسعار النفط أثر على المعطيات في أسواقه، أوضح أنَّ هذا القطاع شهد تراجعاً كبيراً طوال العام الماضي، ولم يكن هذا التراجع مرتبطاً بأسعار النفط، وإنَّما بالنمو السريع في الطلب على العقارات وإرتفاع أسعارها، لا سيما السكنية منها، ومع التدابير التي إتَّخذتها الحكومة بدأت هذه الأسعار بالإنخفاض التدريجي.

وأشار Biswas إلى أنَّ  الرابح الأكبر من الإنخفاض الحاد في أسعار النفط هي الدول الصناعية، لا سيما الآسيوية منها، والتي تعتمد بشكل كبير على إستيراد النفط والغاز، بما في ذلك الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وتايلاند. وقد أدَّى تراجع الأسعار إلى خسارة الدول المنتجة للنفط أكثر من 1.5 ترليون دولار لصالح الدول المستوردة له. وكشف أنَّ الولايات المتحدة هي سوق التصدير الرئيسي للصناعات التصديرية للدول الآسيوية، ومع نمو القدرة الشرائية للمستهلكين الأميركيِّين،  فإنَّ المستفيد الأكبر هو الدول الآسيوية، وكل هذه العوامل الإيجابية تساعد على تعزيز إقتصاد الصين. أما أكبر الخاسرين من تراجع أسعار النفط برأي Biswas فهي بطبيعة الحال الدول المصدِّرة للنفط التي تُعتبر الأكثر تضرُّراً من إنخفاض أسعاره، لا سيما تلك التي تعتمد على النفط في تعزيز عائداتها، ومنها روسيا وفنزويلا ونيجيريا والسعودية والإمارات، مؤكِّداً أنَّ هذه الدول ستُعاني من إنخفاض كبير في عائداتها النفطية، لكنَّه أشار في المقابل إلى عدم تضرُّر مشاريع تطوير البنى التحتية فيها لكون مبالغها قد رُصِدت ضمن مخططات وُضعت مسبقاً.

بريطانيا.. إنخفاض أسعار النفط إنعكس إيجاباً على إستهلاك الطاقة

رجَّح البروفيسور  John Van Reenen مدير  Centre for Economic Performance – CEP (أحد أهم مراكز الأبحاث الإقتصادية العالمية)، إنخفاض أسعار النفط إلى رفع المملكة العربية السعودية ومعها أوبك الإنتاج، فضلاً عن تزايد العمل في الغاز الصخري في أميركا، لافتاً إلى صعوبة التنبُّؤ ما إذا كان النفط قد وصل إلى أدنى أسعاره، أو قد يواجه إنخفاضات جديدة، معتبراً أنَّ تراجع الأسعار سيؤدِّي إلى تقلُّص التضخُّم وإرتفاع القدرة الشرائية لدى البريطانيِّين، وبالتالي زيادة الطلب على المساكن، مؤكِّداً أنَّ الطلب على العقارات في وسط لندن ما زال إلى إرتفاع، أمَّا بالنسبة للفُرص الإستثمارية في بريطانيا في المرحلة الراهنة فرأى Van Reenen أنَّه بالنسبة للحكومة فإنَّ الإنفاق على البنى التحتية وإصلاح الطرق وبناء المساكن وتحسين النقل وإمدادات الطاقة، يشكِّل اليوم إستثماراً جيداً، لا سيما مع إنخفاض أسعار الفائدة.

أما البروفيسور Bob Hancké فلفت إلى أنَّ تراجُع أسعار النفط يؤثِّر على المدى القريب في الإقتصاد الكلِّي لبريطانيا،
لا سيما مع إنخفاض أسعار الطاقة، ما يؤدِّي بدوره إلى إنخفاض أسعار المنازل، أما آثاره على المدى الطويل فلا تزال غير واضحة المعالم، معتبراً  أنَّ الخطر الأساسي  يتمحور حول وضع المصارف  التي عملت على عقود آجلة في مشاريع الطاقة، وتقلُّبات أسعار النفط سيؤثِّر عليها بشكل  كبير، وأضاف: ” لا بدَّ من التنبُّه أنَّ الطاقة تشكِّل جزءاً كبيراً من الإنتاج المحلِّي الإجمالي يصل إلى 25 في المئة”.

oil_287106761 copyأمَّا بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في شراء العقارات اليوم، أوضح  Hancké  أنَّ قطاع  الشقق السكنية في لندن شهد تباطوءاً ملحوظاً منذ عام 2007 ، ثم بدء يتحسَّن تدريجياً، ولذلك على من يريد أن يشتري مسكناً، أن يعتمد تدابير خاصة للحفاظ على سعر مسكنه، وعليه أن يختار المكان المناسب، ولكن يبقى على بنك إنكلترا متابعة الأحداث عن كثب وتدارُك الأمور، من خلال رفع الفائدة كي لا تتكرَّر الأزمة العقارية، ولفت إلى أنَّه وفي مطلق الأحوال، لا يوجد إستثمار آمن بشكل تام.    

وإنطلاقاً ممَّا تقدَّم، يتبيَّن أنَّ مصائبَ قومٌ عند قومٍ فوائدُ، فإنخفاض أسعار النفط إنعكس على إقتصادات دول ولو على المدى القريب، فيما أنعش دولاً أخرى، وبين الخاسرين والرابحين فإنَّ قطاع العقاري قد نال نصيبه وإن بنسب متفاوتة وبشكل غير مباشر، لا سيما في تلك الدول التي تعتمد إعتماداً وثيقاً على عائدات النفط لنمو إقتصادها، إلاَّ أنَّ الأثر المترتِّب على تراجع أسعار النفط والتقلُّبات التي تُصيب سوقه ستبقيان رهن الأيام المقبلة.

Leave a Reply