التقييم العقاري أداة تحويل العقار إلى رقم مالي

يُعتبر التثمين العقارى أحد مفاتيح النهوض بصناعة العقارات، وهو العلم الذي يبحث في تحديد القيمة للعقارات بجميع أشكالها من أراضٍ ومساكن ومتاجر ومصانع ومزارع للوصول إلى القيمة السوقية الحقيقية والعادلة في معظم الأحيان، ويعتمد الوصول لهذه القيمة على أشخاص ذوي علم وفن وخبرة، مع الإلمام بعلوم الإحصاء والإقتصاد والعلوم المالية والهندسة ودراسة السوق.

حكومات الدول أدركت مدى الأهمية التي تكتسبها عملية التثمين العقاري وتحديداً في الحدّ من عمليات تضخيم أسعار العقارات وتقييمها بما لا يتناسب ومواصفاتها الصحيحة

ولطرق التثمين أهميَّتها،  وهي تتمحور بشكل عام حول ثلاث طرق تقييم تُتَّبع في معظم بلدان العالم، وتتمحور حول المقارنة والدخل والتكلفة، وتلاقي هذه الطرق شبه إجماع لدى المثمِّنين العقاريِّين.

وتتفاوت أهمية صناعة التثمين العقاري بين بلد وآخر، ففي حين تكتسب أهمية قصوى في البلدان الأجنبية، نجد أنها تسير بخطى خجولة في الدول العربية، وقد أدركت حكومات هذه الدول، لا سيما في الفترة الأخيرة، مدى الأهمية التي تكتسبها عملية التثمين العقاري وتحديداً في الحدّ من عمليات تضخيم أسعار العقارات وتقييمها بما لا يتناسب ومواصفاتها الصحيحة.

وقد كان التثمين العقاري فيما ما مضى سيف ذو حدَّين فهو ساهم بالأزمة المالية العالمية بشكل أو بآخر من خلال تضخيم العديد من شركات التثمين أسعار العقارات، ما أدَّى إلى فقاعة عقارية حصدت مغبَّتها دول العالم.  وقد خاضت مجلة DORCHESTER غمار البحث عن ماهية التثمين في عدد من بلدان العالم مقدِّمةً نموذجاً عن آراء العديد من الإختصاصيِّين الضالعين في هذا الشأن.

الإمارات.. التعامل مع مقتضيات التثمين بمنهجية علمية تبعاً للمعايير العالمية

ويلعب التثمين دوراً موثِّراً في قطاع العقارات في الإمارات العربية المتحدة، بحيث  يُعتبر المثمِّن مرجعاً أساسياً، فهو الذي يدرس السوق ويقدِّم ملخَّصاً عن حالته للمستثمرين في العقارات. كما يساعد على معرفة قيمة العقار الحقيقية تبعاً للمعطيات الموجودة ضمن تداولات السوق العقارية، الأمر الذي يساعد في القضاء على عشوائية أسعار العقار.

ROB JACKSON Managing Director of RICS MENA ITP STUDIO Dubai, United Arab Emirates, August 6, 2013 (Photo by Shruti Jagdeesh/ITP Images)
ROB JACKSON
Managing Director of RICS MENA
ITP STUDIO
Dubai, United Arab Emirates

أما بالنسبة إلى Rob Jackson مدير ريكس “RICS” الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو المعهد الملكي للمسَّاحين،  (The Royal Institution of Chartered Surveyors)أو المعهد الملكي للمسَّاحين القانونيِّين، وهو هيئة مهنية تمثيليَّة عالمية مستقلَّة مركزها المملكة المتحدة ولها تواجد في جميع أنحاء العالم، فإنَّ التثمين العادل والواضح بات يلعب دوراً محورياً في توفير سوق عقارات سليم، وبالتالي فإنَّ كل المستثمرين والمحلِّلين والمطوِّرين في العالم، فضلاً عن الشركات والمؤسَّسات المالية، تحتاج إلى القدرة على المقارنة وقياس الأسواق المختلفة،  وهنا تكمُن مهمَّة المثمِّن العقاري صاحب الكفاءة والخبرة والثقة والذي يتبِّع المعايير الدولية في عمليات التثمين، وشرح أنَّه يمكن إعتماد التثمين العقاري لأغراض مختلفة كالصفقات العقارية، الإكتتاب العام، الإقراض وضمان القروض، بالإضافة إلى إستثمارات الصناديق العقارية، مشدِّداً على أهميَّة التثمين العقاري في التقليل من المخاطر في السوق، ولفت إلى أنَّ التثمين الخاطىء قد يؤدِّي إلى إضطرابات في السوق العقارية،  ما قد يؤثِّر على ثقة المستثمرين لا سيما الأجانب منهم.

وقد قامت RICS عام 2014 بمبادرة  تدعو إلى فرض تسجيل كل من يمارس مهنة التثمين العقاري في الإمارات، ما يؤدِّي إلى تنظيم المهنة من جهة، وتعزيز خبرات المثمِّن العقاري من جهة أخرى، ما يضمن إتِّباعه المعايير الدولية،  وفي مثال على الإلتزام بهذه المبادرة إستشهد Jackson  بتصريح  كريس تايلور ” Chris Taylor”  الرئيس التنفيذي لشركة أبو ظبي للتمويل (Abu Dhabi Finance) الذي أشاد بهذه المبادرة  وشدَّد على ضرورة أن يتمتَّع جميع العاملين في القطاع العقاري بالمهنية والكفاءة اللازمة، وأضاف: “نريد أن نرى نهجاً ثابتاً للتقييم، وأتت مبادرة RICS كخطوة نحو تنظيم أكبر للمثمِّنين العقاريِّين وسوف تساهم في بناء ثقة السوق. ولفت جاكسون إلى أنَّه ومن خلال العمل مع أبو ظبي للتمويل تبيَّن أنَّ الشركة إلتزمت بالفعل بالمعايير العالمية، الأمر الذي عزَّز من المبادرة وساهم بفرض أعلى المعايير والمستويات في القطاع العقاري برمَّته.

وبرأي جاكسون فإنَّ المؤهَّلات المطلوبة في المثمِّن العقاري تتمحور حول الخبرة والكفاءة والقدرة على تقييم كل أنواع وأشكال وفئات الأصول العقارية بإستخدام عدَّة وسائل للتقييم، فضلاً عن تحلِّيه بالمسؤولية من  خلال كتابته تقارير التقييم بشفافية في ظل غياب مثمِّن الحكومة أو عدم توفُّر المخطَّطات التنظيمية.

وأكَّد جاكسون أنَّ هنالك العديد من الهيئات على مستوى العالم ممَّن يتمتَّع مثمِّنوها بالمؤهَّلات المطلوبة، كاشفاً أنَّ RICS هي واحدة من أكبر الهيئات المهنية التي يعمل أعضاؤها على تطوير خبراتهم بشكل مستمر، مسترشدين بمعايير التقييم التي وضعتها RICS والتي تعمل مع العديد من الدول لترسيخ معايير التقييم الدولية، ومن بين هذه الدول على سبيل المثال – المملكة العربية السعودية –  التي تبنَّت المبادرة وتعمل على تطبيقها من خلال وزارة التجارة والصناعة لضمان تسجيل كل مثمِّن وبشكل تدريجي وصولاً إلى تطبيق المعايير الدولية بشكل كامل بحلول عام 2017.

وأكَّد جاكسون أنَّ المنظَّمة تُشجِّع أسواق الشرق الأوسط للوصول نحو نظام واضح وشفَّاف في كل ما يتعلَّق بالبيانات والمعاملات المالية العقارية، لافتاً إلى أنَّه وبعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة، عمدت مجموعة الدول العشرين إلى فرض إجراءات إحترازية على كل العاملين في القطاع العقاري ومن ضمنهم المثمِّنين العقاريِّين، وذلك في إطار عملية إدارة المخاطر التي تُطبِّقها المؤسَّسات والشركات المالية. كما عمدت RICS نفسها إلى وضع مخطَّط تنظيمي لضمــان تطبيــق معايــير التقييـــم المهنـيـة في جـميــع أنحاـء العالم، الذي يُعرف بإسم “Valuer Registration-VR”، وهذا المخطَّط عبارة عن برنامج يُشرف على أداء المثمِّنين  لحماية العملاء والمؤسَّسات المالية والجهات التنظيمية. ولفت جاكسون إلى أنَّ المصارف ومؤسَّسات الإقراض والهيئات الحكومية رحَّبت بهذا المخطَّط ومن ضمنهم الإمارات العربية المتحدة التي ألزمت جميع الأعضاء العاملين في هذا المجال بتسجيل أسمائهم والتعرُّف على طرق وأساليب RICS في عمليات التقييم.

التثمين العادل والواضح بات يلعب دوراً محورياً في توفير سوق عقارات سليم

وفي سؤال حول مدى إلتزام الدول العربية بالمعايير الدولية في عمليات التثمين العقاري، أعرب جاكسون عن إعتقاده أنَّ من أكثر التحدِّيات التي تواجه عمليات تقييم العقارات في الشرق الأوسط عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً، هو مدى إلتزام المثمِّنين العقاريِّين بهذه المعايير الدولية، كاشفاً عن وجود تقارير عديدة تؤكِّد وجود وكلاء عقاريِّين وشركات تقوم بعمليات تثمين تعمل من خلالها على تضخيم الأسعار، وقد أكَّدت العديد من الشركات أنَّها تعمل للضغط على العاملين في مجال التثمين العقاري للإلتزام بالمعايير الدولية، ورأى جاكسون في ذلك خطوة إيجابية نحو الوصول إلى تقييم عادل وحقيقي يضمن مستويات واقعية لأسعار العقارات.

المملكة العربية السعودية تبنَّت مبادرة RICS وتعمل على تطبيقها من خلال وزارة التجارة والصناعة لضمان تسجيل كل مثمِّن وبشكل تدريجي وصولاً إلى تطبيق المعايير الدولية بشكل كامل بحلول عام 2017

وفيما يتعلَّق بالمخاطر التي يتعرَّض لها المثمِّن العقاري أثناء عملية تقييمه للعقار، أوضح محمد الدح، الخبير في هيئة الأراضي والممتلكات في حكومة دبي، أنَّ هنالك العديد من المخاطر في وظيفة المثمِّن العقاري، مثلاً، عدم وجود بيانات دقيقة من السوق (وهذا من أصعب التحدِّيات، ولكن بالتأكيد هناك وسائل أخرى يمكن إستخدامها للتثمين)، نقص في المعلومات أو ببيانات العقار من قبل العميل (لذلك يجب على المثمِّن إختيار أفضل العملاء لأنَّه يُعتبر مصدراً موثوقاً للمعلومات وللبيانات المهمة في عملية التثمين العقاري)، ظروف السوق المتقلِّبة (يجب على المثمِّنين العقاريِّين البقاء على مواكبة كافة المستجدات التي قد تطرأ).

وشدَّد  الدح على أهمية عملية التثمين في  قطاع العقارات لأنَّ الهدف الأساسي من التثمين هو تقدير القيمة السوقية للعقار لا بيعه، وللتثمين العديد من الإستخدامات في الإدارات الحكومية  والضرائب والرسوم، وفي حال عدم تنظيم عملية التثمين العقاري وقيام المثمِّن بتضخيم قيمة العقار والمبالغة بالأسعار، فإنَّ ذلك قد يؤدِّي إلى إنكماش بشكل مصطنع وبالتالي سينعكس ضرراً حتمياً على السوق.

tatmeen_42982360 copy

الكويت .. مطالبات مصرفية بتأسيس شركة تثمين عقارية 

في الكويت يُلزم بنك الكويت المركزي المصارف بتقييمات معتمدة من  بنك بيت التمويل الكويتي “بيتك” أو بنك الكويت الدولي،  الأمر الذي لا يلقى إستحساناً جيداً من قبل البنوك، على إعتبار أنَّ هذين المصرفين يدخلان في المنافسة مع المصارف الأخرى في السوق، وبالتالي لا يتوجَّب أن تمرّ بيانات المصارف عبرهما. وأنَّ إعتراض المصارف لا يلقى قبولاً أيضاً لدى بنك المركزي الذي يُدافع عن قراره بإستمرار، مؤكِّداً أنَّ “بيتك” وبنك الكويت الدولي يتمتَّعان بخبرة رفيعة المستوى وهما محل ثقة، ولا يمكن لهما الإفادة من أي معلومات بحكم إتفاقية سرية البيانات.

وأمام هذه المعضلة، وصلت المصارف والبنك المركزي إلى إقتراح يجري بموجبه تأسيس شركة تقييم عقارية بمساهمة جميع البنوك، وإصطدم الإقتراح بعدم موافقة وزارة التجارة والصناعة على طلب التأسيس حتى الآن، بإعتبار أنَّه ليس من مهام المصارف تأسيس شركة متخصِّصة بالتقييم، ما يجعل آلية التقييم العقاري في الكويت على  حالها دون تغيير حتى  إشعارٍ آخر.

وفي هذا المجال أكَّد رئيس مجلس إدارة بنك وربة عماد الثاقب خضوع جميع المصارف والشركات في تقييمها العقاري لشرط بنك الكويت المركزي، وبالتالي فإنَّ جميع عمليات التقييم العقارية لدى المصارف معتمدة من “بيتك” أو”بنك الكويت الدولي” إضافةً إلى جهة تقييم أخرى مسجَّلة لدى وزارة التجارة والصناعة، وغالباً ما تعتمد هذه الجهات على المعايير الدولية في إنجاز تقييماتها.  ولفت إلى أنَّ دور البنك المركزي يقتصر فقط على وضع الشروط ومراقبة الإلتزام بتنفيذها.

وهنا يُطرح السؤال حول الآلية التي تتَّبعها المصارف في عمليات تقييم العقار موضوع الشراء أو البيع ، وقد أوضح الثاقب هذه الآلية لافتاً إلى وجود مجموعة من الإعتبارات التي تضعها المصارف كأسس أوَّلية علمية تدخُل في تقييم العقار، من أهمِّها قياس معدَّل العائد والدخل المحقَّق من العقار، موقعه ونسبة إستهلاكه، ونسبة الشواغر فيه،  إضافةً إلى إعتماد مبدأ المقارنة من خلال جمع البيانات عن البيوعات السابقة التي حصلت مؤخَّراً، والعروض الموجودة، مع إجراء التعديل اللازم عليها سواء سلباً أو إيجاباً، وتلعب إستخدامات العقار دوراً كبيراً كذلك في تقدير قيمته السوقية، إلى جانب عوامل أخرى تتمثَّل بمدى توافر الخدمات اللوجستية لهذا العقار، وما إذا كان موقعه سليم أم مخالِف لتعليمات وقرارات الجهات المعنية. وكل ذلك يجري وفق المعايير الدولية المعتمدة لدى الجهات الرقابية.

وبالنسبة للإجراءات التي تتَّبعها المصارف في عمليات التقييم العقاري لتعزيز التمويل في هذا القطاع،  وفي الوقت عينه تجنُّب أي فقاعة عقارية محتملة، أكَّد الثاقب أنَّ عمليات التثمين منفصلة عن أي مساعٍ مصرفية لتعزيز محافظها التمويلية، موضحاً أنَّ الرابط بين العمليَّتين فقط هو أنَّه كلَّما إرتفعت قيمة التقييم كلَّما إرتفعت الضمانة التي يمكن أن يقدِّمها العميل للحصول على التمويل، بإعتبار أنَّ التقييم العقاري يرتبط بشكل مباشر بعمليات البيع  والشراء والرهن العقاري، ولتفادي الأثر السلبي، تعتمد البنوك دائماً على جهات موثوقة مرخَّص لها، وبذلك تتجنَّب أي عملية لتضخيم الأسعار.

مصر .. ضرورة إنشاء نقابة تحمي المثمِّن العقاري

ولعمليات التثمين العقاري تأثير كبير على صناعة العقارات والمنظومة الإقتصادية في مصر، حيث يُعتبر قطاع العقارات من القطاعات الإقتصادية المؤثِّرة في نمو نشاط التأمين في البلاد، وهو ما أكَّده عبد الروؤف قطب رئيس الإتحاد المصرى للتأمين، موضحاً أنَّ تأمين القروض العقارية شهد نمواً ملحوظاً خلال الفترة الماضية فى جميع شركات التأمين، وذلك بعد المبادرة التي أطلقها البنك المركزي المصري مؤخَّراً لتسويق الوحدات العقارية بنظام التمويل العقارى الحكومي ومساهمة المصارف المصرية فيه. ونفى أن يكون لشركات التأمين العاملة فى السوق المصرية دور فى عملية التثمين العقارى التي تتولاَّها الهيئة العامة للرقابة المالية من خلال المثمِّنين العقاريِّين، إلاَّ أنَّ قطب لفت في المقابل إلى المخاطر التي تتعرَّض لها شركات التأمين فى عمليات التثمين وأهمُّها حالات التعثُّر لدى العملاء، كما حدث فى الولايات المتحدة الأميركية خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 ، والتى كان سببها الرئيسي ” التمويل العقارى “، وبالتالي فإنَّ صناعة التأمين فى العالم وليس فى مصر فحسب هي ” تغطية الأخطار”.

وكشف قطب أنَّ الإتحاد المصري للتأمين بما يضم من شركات تأمين أعضاء فيه، يدرس حالياً تأسيس لجنة فنِّية لتأمين نشاط العقارات فى مصر، موضحاً أنَّ الأزمات العقارية التى أصابت العالم خلال الفترة الماضية بعيدة عن السوق المصري.

من جهته أكَّد المهندس أبو الحسن نصار إستشاري وخبير عقاري ومحكِّم دولي ونائب رئيس جمعية خبراء التثمين والتقييم العقاري بمصر، ضرورة أن يلتزم المثمِّن العقاري بميثاق الشرف الوارد في المعايير الدولية،  حيث لا يقوم بتقييم عقار أو أرض لأحد من الأقارب أو الأصدقاء وذلك لكي يلتزم بالحيادية في التقييم،  مؤكِّداً أنَّ هناك معوِّقات عديدة تواجه المثمِّن العقاري منها قيام بعض الجهات بإلزامه بأرقام معيَّنة في عمليات تقييم العقارات، ولذلك يجب أن لا يقبل أي أرقام تُعرض عليه مسبقاً، فضلاً عن الضغوطات التي يواجهها من بعض الجهات لإلزامه بقيَم معيَّنة ورغبات هذه الجهات  في توجيه أعمال التقييم وتهديده بعدم الإستعانة بخدماته مرة أخرى. وقد يتم إستبعاده نهائياً إذا رفض الإذعان لهذه الضغوط، وهو ما حدث  في أميركا وكان أحد الأسباب وراء أزمة الرهن العقاري التي تسبَّبت في الأزمة المالية الشهيرة.  وحذَّر نصار من إمكانية أن يتكرَّر هذا الأمر في مصر خصوصاً  في ظل عدم وجود نقابة تحمي المثمِّن العقاري، وطالب نقابة مهن التقييم المصرية بإنشاء نقابة مهنية عامة على غرار نقابة المهندسين لكل مهن التقييم سواء التقييم العقاري أو غيره من أنواع التقييم الأخرى،  وذلك  لحماية المثمِّنين العقاريِّين ومقيِّمي المشروعات والشركات ومثمِّني المنقولات وخبراء تقييم الأوراق المالية والحفاظ على حقوقهم جميعاً منها القانونية والمادية والأدبية.

أما الدكتور حمادة صلاح وهو خبير معتمد من البنك المركزي المصري، فأشار إلى أنَّ البنك المركزي هو القناة الشرعية للرقابة على المصارف. ويرتكز البنك على مقيِّمين ذات خبرة في التقييم العقاري الذي يعتمد على المعايير الدولية والتوصيف المتكامل للعقار. وتتمثَّل العوامل التي تؤثِّر سلباً في عملية التثمين بحسب صلاح، بقيام المثمِّن بالتقييم من دون معاينة  العقار والبحث الدقيق فى عقود الملكية، وأن يُفضِّل طرفاً على آخر، ممَّا يؤدِّي إلى الإستيلاء على أراضي الدولة والمال العام وتزييف الحقائق.  ولذلك فإنَّه ولتفادي هذه المخاطر، لا بدَّ من الإعتماد على المعايير الدولية لا سيما وأنَّ سوق التمويل العقاري يعتمد على عمليات التثمين، وأي خطأ قد ينشأ متعمِّد أو عن غير قصد في هذه العمليات، ينعكس سلباً على القطاع العقاري برمَّته.

tatmeen_187797680 copyالعراق.. نحو وضع أطُر سليمة لمهنة التثمين العقاري

ولأنَّ القطاع العقاري هو المحرِّك الرئيسي للعديد من إقتصاديات الدول، يتم التركيز عليه  في العراق، حيث شدَّد الخبراء والمستثمرين في مجال التثمين العقاري على أهمية تشريع القوانين ووضع الأطُر والقواعد المهنية السليمة التي من شأنها تنظيم عمل الوساطة والتثمين العقاري، وقد طالب أصحاب الشركات والمكاتب العقارية سواء العراقية منها أو الأجنبية العاملة في العراق والتي تُقدَّر نسبتها بحوالي 30 في المئة من أصل شركات التثمين العقاري، الحكومة بإعتماد لوائح قانونية تحمي المستثمرين في مجال العقارات وتنظِّم عملهم أسوةً بسائر الدول، وهذا ما أكَّده الناطق الرسمي لأمانة بغداد حكيم عبد الزهرة، لافتاً إلى أنَّ القطاع العقاري وتحديداً في بغداد يُعَد أولوية للكثير من الراغبين في الإستثمار نظراً للمردود الكبير الذي يترتَّب من عمليات بيع وشراء وإيجار العقارات. مشدِّداً في الوقت ذاته على ضرورة توفير البيئة القانونية والمهنية المرافقة للتداول في سوق العقارات وفي مقدِّمها الحصول على الرُخص الفنية التي تكفل حق المزاولة للإستثمار كشرط أساسي وضمان لحماية مصالح الآخرين، وذلك بإلزام الجهات المختصَّة وأوَّلها دوائر التسجيل العقاري والمؤسَّسات المالية المشجِّعة للإستثمار، بوضع مجموعة من الشروط والضوابط التي تحدِّد المهام والخطوط الرسمية للتعاملات العقارية. مبيِّناً أنَّ تلك الضوابط بمثابة الدستور الفني للمؤسَّسات والشركات العقارية.

بالمقابل رأى مدير عام المصرف العقاري حسين أحمد طعمة،  أنَّ المصارف العراقية ومنها المصرف العقاري يعتمد أدقّ الضوابط والمعايير الفنية والمهنية في عمله المتعلِّق بالتثمين العقاري بإعتباره المؤسَّسة الوحيدة والأكثر تخصُّصاً في مجال الإستثمارات العقارية، ويضمن أعلى مستوى من الشفافية في تعاملاته، مؤكِّداً أنَّ للمصرف العديد من المكاتب المحترفة وذات الباع الطويل في مجال التثمين، وأنَّ التثمين يتم وفقاً لشروط مهنية لضمان حصول المُلاَّك والمستثمرين على مساحة مشتركة من التعامل ضمن حدود العقارات المتَّفق على تداولها. مبيِّناً في الوقت نفسه، أنَّ ميدان التثمين يستوعب ما قيمته  30 في المئة من الشركات الأجنبية. وأكَّد أنَّ المصارف العراقية عادةً ما تلجأ إلى أكثر من مكتب تثمين لضمان الحيادية ودقَّة التقييم.

من جهته قال مدير دائرة التسجيل العقاري في وزارة العدل مهدي طالب علي، إنَّ الوزارة تتدارس وبإهتمام كبير إيجاد قوانين معتمدة ونافذة لعمل مكاتب التثمين والإستثمار العقارية، تضمن حقوق وواجبات ومسؤوليَّات أصحاب المكاتب العقارية والمستثمرين في الوقت نفسه. وأضاف علي أنَّ مشروع إيجاد تلك القوانين يندرج في إطار المساعي الجادَّة للوزارة في تنظيم عمليات بيع وشراء وإستئجار الممتلكات والعقارات، لا سيما وأنَّ العراق شهد بعد العام 2003 حالات عديدة من التلاعب والتزوير بالعقارات إلى حد أن إتَّخذت بموجبه الإدارة المدنية الإنتقالية بإشراف بول بريمر “Paul Bremer” (الحاكم المدني الأميركي حينذاك) إنشاء هيئة مستقلَّة بعنوان (هيئة دعاوى الملكية وفض النزاعات) والتي لا زال عملها قائم حتى اللحظة. وأشار إلى رغبة الوزارة الجادة في تعزيز وتنمية الجانب القانوني TATMEEN-cbe3 copyالخاص بالتثمين العقاري.

لبنان.. التثمين إضافة هامة للقطاع العقاري

Polys Kourousides
Polys Kourousides

وكما في كل البلدان العربية، كذلك للبنان طرقه في التثمين العقاري، وهو ما أوضحه الخبير الإستشاري في الشؤون العقارية والمصرفية المعتمد لدى لجنة الرقابة على المصارف جوزف أبو رجيلي الذي قال: ” لا شك أنَّ سوق التمويل العقاري يستند في أحد أهم عناصره إلى الضمانات العينية التي تشكِّل تغطية لمخاطر التمويل بنسبة كبيرة”، وعليه فإنَّ هذه الضمانات تبقى عرضة لتداعيات سلبية في حالات كثيرة ناجمة عن التقييم نفسه من أهمِّها تبعاً للخبير أبو رجيلي: المبالغة في التقييم (تضخيم القيمة) وهو قد يكون عن خطأ مقصود أو غير مقصود، سوء تقدير لسوق العرض والطلب (إستقصاءات خاطئة)، دراسة غير مطابقة للمستندات وكذلك مستندات غير صحيحة. ولفت إلى أنَّه من  تداعيات هذه المخاطر في حال وقوعها أن تنعكس سلباً على التمويل العقاري وهو ما يؤدِّي إلى وضع دراماتيكي في حال تعميمه كما حصل في أزمة عام 2008.

ولتعزيز التمويل في القطاع العقاري وفي الوقت عينه تجنُّب أي فقاعة عقارية محتملة، يتَّخذ المثمِّنون العقاريون في لبنان إجراءات تتمثَّل كما قال أبو رجيلي في القيام بفحص المستندات بكل دقَّة وتالياً الكشف على الواقع والتأكُّد من المعطيات بأمــانة، وهذا ما يعـــزِّز الثقـــة مـا بين المثمِّن  والمعنــي (مصرف أو مؤسَّسة مالية). أما عدا ذلك، فالسياسات المتَّبعة لا سيما من جهة مصرف لبنان (بمنح القروض الإسكانية وسواها) فهي مشروطة بقيود ونسب وإجراءات تحد من إمكانية حصول أي أزمة، وبذلك يكون قطاع التمويل العقاري وبجهد مشترك من المثمِّن والمقرِض على السواء بمنأى من الوقوع بما يسمىَّ الفقاعة العقارية.

وبرأيه فإنَّ العوامل التي تؤثِّر في عملية التثمين سلباً أو إيجاباً، هي: تغييرات في المحيط المجاور (مناطق صناعية ملوَّثة … وغيرها)، تعديلات في نسب الإستثمار المسموح به، تخطيط طرق سريعة بمحاذاته، إنشاءات تربوية، صحية، سياحية … وغيرها أيضاً، إضافةً إلى الأوضاع الأمنية أو السياسية أو الإقتصادية غير المستقرَّة، وتغيير قاعدة العرض والطلب، كذلك عوامل طبيعية مؤثِّرة غير متوقَّعة وتغييرات في أسعار تكلفة المواد أو اليد العاملة.

أمَّا بالنسبة لمستشار المجلس التنفيذي لنقابة خبراء التخمين العقاري في لبنان سليـــــم منصـــــور، فإنَّ الآلية التي يجب إعتمادها  في تقييم العقار موضوع الشراء أو البيع تكمن في: الكشف الحسي الدقيق على العقار موضوع التثمين،  الإطِّلاع على جميع الأوراق والمستندات الرسمية العائدة له، أخذ الصور الفوتوغرافية لتبيان واقع حاله، تدوين جميع الملاحظات اللازمة قبل البدء بعملية التثمين، جولة ميدانية لتقصِّي أسعار السوق الرائجة بشكل دقيق وصحيح في المنطقة ومحيط العقار، تنظيم تقرير مفصَّل وواضح يُدوَّن فيه جميع الملاحظات وتثمين العقار بشكل دقيق. وشدَّد منصور على وجود معايير معيَّنة تصب في إطار التقييم وهي: موقع العقار ومواصفاته وشكله ومحيطه ومساحته، المنطقة الإرتفاقية التي يقع فيها العقار (Zone)، السوق العقاري الحالي (العرض والطلب)، يضاف إليهم بالنسبة للعقارات المبنية: حالة البناء ومواصفاته وعمره الزمني، والأعباء المترتِّبة عليه. ورأى منصور أنَّ سوء التقدير وعدم الخبرة الكافية لدى المثمِّن وعدم الإطِّلاع على جميع القوانين والمعايير التي يجب إعتمادها في عملية التثمين وعدم الدِّقة والوضوح في إعداد تقرير التثمين،  كل ذلك  يؤدِّي الى إرتدادات وتداعيات سلبية ومخاطر على سوق التمويل العقاري، في حين أنَّ التثمين الخالي من السلبيات له وقع إيجابي على سوق التمويل العقاري.

أما من وجهة نظر شركات التأمين، فقد أكَّد نائب الرئيس الأول في شركة فيدلتي للتأمين جورج أيوب، أنَّ سوق التأمين العقاري يُعتبر سوقاً نامياً في لبنان، وتكمُن المشكلة الحقيقية في تقييم الممتلكات لأنَّ الوعي  حول أهمية التأمين على المخاطر السكنية لا يزال منخفضاً، لافتاً إلى أنَّ المصارف لغاية اليوم لا تعتمد على المثمِّن العقاري بقدر إعتمادها على قيمة البناء السوقية، علماً أنَّ هنالك العديد من المثمِّنين العقاريِّين المتخصِّصين في هذا الشأن.

أمَّا بالنسبة لشركات التأمين فإنَّها تميل دائماً إلى ترك تقدير قيمة العقار لصاحبه أو من يختاره ليثمِّن عقاره، وتقدِّم خدماتها بناءً لطلب الطرفان سواء لجهة البيع أو الشراء.

السعودية .. إنشاء هيئة متخصِّصة بعمليات التثمين

دور التثمين العقاري يكتسب كذلك أهميَّة خاصة في المملكة العربية السعودية،  وهو من الآليات الأساسية في المشاريع كافة، وهذا ما أوضحه  رئيس مجموعة حمد الشويعر للإستثمار والتطوير العقاري و رئيس اللجنة الوطنية العقارية بمجلس الغرف السعوديـة حـمــد بـن عـلـي الـشـويـعـر، وكشف أنَّ الدولة  أنشأت مؤخَّراً هيئة متخصِّصة معنيَّة بعملية التثمين وتتَّبع المعايير الدولية وهي الهيئة السعودية  للمقيِّمين المعتمدين ومعاييرها تُترجم بالتالي: الموقع،  ويُعتبر من العوامل المؤثِّرة  فى عملية التثمين، الإستخدام ونوع العقار حيث أنَّ العقارات المعدَّة للإستخدام التجاري تختلف عن العقارات المعدَّة للإستخدام السكني أو الصناعي أو الزراعي أو الترفيهي أو التعليمي، ولكل عقار قيمة مرتبطة بنوع إستخدامه وبمردوده الإقتصادي، حيث تؤثِّر العوامل الإقتصادية فى قيمة العقار، ففي فترات الركود تنخفض القيمة فيما ترتفع فى فترات الإزدهار، ولعوائد إستثمار العقار دور أيضاً فى تقدير القيمة، فضلاً عن  أنظمة التطوير والتشريعات الحكومية الخاصة بالبناء والمستوى المعماري، حيث يؤثِّر نوع المبنى  ومستوى التصميم فى القيمة الكلِّية للعقار، وكذلك تدخُّل العوامل الفنية والهندسية وتوفُّر المخطَّطات التفصيلية فى تحديد السعر النهائي لذلك العقار. ولا ينفي الشويعر وجود مخاطر عدَّة  قد تتأتَّى عن  التثمين الخاطىء وغير العادل على خطط ومستقبل العمل وعلى الثروة العقارية، ولتفادي ذلك يجب إتِّباع المعايير الدولية والأنظمة الصادرة من هيئة المقيِّمين السعودية.

ووفقاً للرئيس الإقليمي لشركة سيدكو كابيتال شريف سليم، فإنَّ عمليات التثمين العقاري هي أحد المصادر التي تستعين بها الصناديق العقارية في عمليات الإستحواذ والتخارج من الإستثمارات العقارية، ولكنَّها تبقى  كمصدر ثانوي حيادي للمعلومات العقارية، إذ على مدير الصناديق العقارية القيام بإعداد الدارسات ذات العلاقة بالإستثمارات العقارية داخليا،ً آخذاً بالإعتبار المخاطر والعوائد المتعلِّقة بالإستثمار وإستراتيجية الصندوق.

وأشار سليم إلى أنَّ لعمليات التثمين العقاري عامل مساعد في عملية إتِّخاذ قرار الشراء أو قرار البيع، لا سيما وأنَّ تلك العمليات تعتمد بشكل كبير على التفاوض ما بين الطرفين ليُصار إلى إتِّخاذ القرار النهائي وفق سلسلة من التحليلات المالية وغير المالية من قبل إدارة الصندوق العقاري وذلك في نهاية المطاف لأجل حماية حقوق المستثمرين في تلك الصناديق العقارية. ومن أكبر المخاطر المتأتِّية عن التثمين العقاري، هو الإعتماد الكلِّي على عملية التثمين في إتِّخاذ القرار، وبيَّن سليم  أنَّ هناك طرُقاً كثيرة لتثمين كل فرصة إستثمارية عقارية، بحيث يحدِّد مدير الصندوق الطريقة المناسبة لكل منها على حدى، آخذاً بالإعتبار الإستراتيجية الإستثمارية المتَّبعة.

A_Sager copy

من جانبه أكَّد رئيس اللجنة العقارية في غرفة الشرقية خالد بارشيد أنَّ التثمين العقاري في السعودية خَطى خطوات مهمَّة في الفترة الأخيرة، من بينها تشكيل هيئة المقيِّمين العقاريِّين، التي قامت بدورها أيضاً بوضع أسُس التثمين العقاري، بالإضافة إلى إعطاء تراخيص للمثمِّنين العقاريِّين بناءً على إشتراطات يستوفيها المثمِّن قبل حصوله على شهادة التثمين.

وأوضح بارشيد أنَّ التثمين رُكن أساسي في السوق العقاري، قائلاً: “ينقصنا في الوقت الراهن المثمِّنين العقاريِّين”، مبيِّناً أنَّ المطوِّرين العقاريِّين لديهم خبرائهم ومثمِّنين محترفين يتولَّون أعمالهم في هذا المجال، إلاَّ أنَّ هناك قطاعين مهمَّين لا يزالان يعانيان في مسألة التثمين، هما قطاع البنوك  والمستثمرين الأجانب، إذ يلجآن في الغالب إلى المكاتب العقارية العادية التي تفتقر إلى وجود المثمِّنين العقاريِّين المحترفين،  ما يشكِّل ثغرة في السوق العقاري.

وأشار بارشيد إلى أنَّ السوق العقارية في السعودية بشكل عام بحاجة إلى هيئة متخصِّصة تتولَّى تنظيم العقار في المملكة ومن بينها التثمين العقاري وتكون على غرار “هيئة سوق المال”، وهو مطلب العقاريِّين منذ فترة طويلة.

أمَّا بالنسبة لعبدالله بن فيصل آل صقر، مدير إدارة التثمين العقاري بدورشستر السعودية، عضو لجنة التثمين والمزادات العقارية بالغرفة التجارية الصناعية بجدة، عضو اللجنه الوطنيه العقارية،  فيتَّخذ التقييم العقاري طرق متعدِّدة، تقوم وفق آليات وطرق علمية دولية تُستخدم لإخراج تقييم واقعي ومقنِع للقيمة السوقية للعقار. وقد تُستخدم أكثر من طريقة في نفس عملية التثمين وهي أفضل وأكثر دقَّة، وقسَّم آل صقر هذه الطرق إلى: البيوع المشابهة وتعتمد طريقة المقارنة المباشرة على إختيار عقارات مباعة أو حديثة البيع وتجري المقارنة بين هذه العقارات والعقار المراد تحديد قيمته، وتُعتبر هذه الطريقة من أهم طرق التقييم وتعتمد في تثمين الأراضي والمباني بجميع إستخداماتها. أمَّا الطريقة الثانية فهي التكلفة والإهلاك وتقوم على حساب مجموع  تكلفة البناء وحساب قيمة الأرض الذي يمثِّل إجمالي العقار، ثم إقتطاع قيمة الإستهلاك، وبالتالي يكون الناتج هو  قيمة العقار. والطريقة الثالثة هي رسملة الدخل وهي عملية تحوُّل بيانات العقار المالية إلى حسابات للوصول إلى قيمة العقار وتعتمد حساب الدخل السنوي بشكل أساسي، أمَّا الطريقة الرابعة فهي القيمة المتبقيَّة من عملية إفتراض مشروع عقاري على أرض وتحويل بيانات العقار المالية المفترضة إلى حسابات للوصول إلى أعلى قيمة ممكنة لذلك المشروع بعد إقتطاع تكاليف التطوير، وتُعتمد هذه الطريقة في حال عدم توفُّر مقارنات للسوق، والطريقة الخامسة فتسمىَّ التدفُّق النقدي، وهي عملية تحويل الدخل المتوقَّع مستقبلاً ًمن العقار إلى قيمة حالية، وتعتمد على إقتطاع التدفُّقات النقدية المستقبلية، وتُصنَّف القيمة على أنَّها قيمة إستثمارية قد تتوافق مع سعر السوق أو قد لا تتوافق.

وفيما يتعلَّق بالمخاطر التي يتعرَّض لها المثمِّن العقاري أثناء عملية التقييم فهي برأي آل صقر، تقديم المعلومات غير الموثوقة التي تؤثِّر على عملية التثمين، فضلاً عن أسعار السوق التي قد تتقلَّب في فترة زمنية متقاربة صعوداً أو هبوطاً ما يؤثِّر في إتمام الصفقة، ورأى صقر أنَّ على المثمِّن، ولتفادي المخاطر التأكُّد من صحة البيانات الواردة في الكشف الميداني، إضافةً إلى التأكُّد من الأسعار عن طريق المعاينين العقاريِّين، وشدَّد على ضرورة تحميل العميل تبعات تقديمه مستندات غير صحيحة وإخلاء مسؤولية المثمِّن بعبارات تُكتب في التقرير الذي سيُقدَّم للعميل.   

ويأتي  دور التثمين العقاري وفق المحلِّل المالي والعقاري فضل البوعينين عند إتِّخاذ قرار بشراء أو بيع عقار من قبل المالك أو المستثمر أو المطوِّر، أمَّا آلياته فتختلف تبعاً لثقافة المستثمرين وخبرتهم في السوق المستهدفة، ورأى أنَّ التقييم العادل للعقار يعتمد في الأساس على العائد المتوقَّع، وخصوصاً في المنتجات العقارية الجاهزة، إضافةً إلى إحتساب المخاطر التي لا تخلو منها أسواق العقار، لا سيما في قمَّة الدورات الإقتصادية، عندما يكون العائد المتوقَّع أقل من المخاطر التي يتحمَّلها المستثمر في حال التصحيح. وأشار إلى أنَّ تقييم العقار يختلف بإختلاف نوعيَّته، فتقييم الأراضي يختلف عن تقييم الوحدات الجاهزة، ويختلف أيضاً في التعامل مع العقارات التجارية.

ونفى أن يكون هنالك معايير مؤسَّساتية في السوق السعودية، معتبراً  أنَّ ما يجري حالياً في السوق لا يعدو أن يكون نتاج ثقافة متوارثة وخبرات عميقة في سوق العقار. لذا نجد أنَّ المتخصِّصين في القطاع العقاري ومنهم المكاتب العقارية يقومون بعمليات التثمين العقاري للمصارف قبل ظهور شركات التقييم الحالية، والتي ما زال عملها مقتصراً على المدن الرئيسية في الوقت الذي تمارس فيه المكاتب العقارية دور المثمِّن حتى اليوم.

وأعرب البوعينين عن إعتقاده بضرورة أن يكون للبنك المركزي دور رئيس في قطاع التقييم العقاري، لأسباب مرتبطة بالقطاع المصرفي، لافتاً إلى أنَّ هذا القطاع بات يعتمد على شركات التثمين بشكل أساسي؛ وأي تهاون في هذا الجانب قد يكبِّد المصارف خسائر فادحة لأسباب مرتبطة بالتمويل العقاري الذي يقوم على الرهونات العقارية، ورأى أنَّ إشتراط البنك المركزي (ساما) مشاركة المقترضين بنسبة 30 في المئة من قيمة العقار المموَّل من قبل المصارف، هو جزء من أدوات خفض المخاطر، وتدارك أي خطأ متوقَّع في التقييم.

tatmeen_62539384 copy Tatmeen_228068044

 بريطانيا.. لا تأثير للتثمين العقاري على أسعار العقارات في لندن

ولا يختلف الأمر في البلدان الأجنبية عن البلدان العربية، ففي المملكة المتحدة، عند تقييم أي عقار هنالك  أمرين لا بدَّ من أخذهما بعين الإعتبار، الأول هو إدراك ماهية العقار موضوع التثمين، والثاني إستيعاب السوق بشكل كامل، وهو ما أشار إليه Ashley Hammond مدير شركة Hammond & Hammond لإدارة الأصول العقارية، وهو عضو في هيئة RICS، لافتاً إلى ضرورة التأكُّد من حجم العقار وحجم المبنى وإستخداماته وما إذا كان تجارياً أم صناعياً أم سكنياً، وهل هو للبيع أم للإيجار، فضلاً عن تقييم نوعية البناء والتصميم، وكذلك فرص تطويره ، وبعد ذلك وبحسب Hammond لا بدَّ للمثمِّن العقاري من تقدير القيمة السوقية للمنطقة نفسها.

أمَّا المخاطر التي قد تواجه المثمِّن برأي Hammond فهي عدم وجود أدلَّة قابلة للمقارنة، بمعنى عدم وجود بيانات حول المبيعات التي تمَّت مؤخَّراً  في المنطقة حيث يقع العقار، معتبراً أنَّ بإمكان المثمِّن تفادي هذه الثغرة من خلال البحث عن بيانات في مناطق مماثلة، أو إعتماد آراء خبراء ووكلاء عقارات محلِّيين، وأعرب عن عدم إعتقاده في أن يكون للتثمين العقاري أي تأثير حقيقي على السوق  لا سيما في وسط لندن، ولفت إلى أنَّ المثمِّن يبني تقاريره مرتكزاً على معطيات السوق، التي تتجاوز أسعارها بإستمرار توقُّعات الكثير في سوق ينمو 15 في المئة سنوياً، وضمن خصائص ومعايير هي  إلى إرتفاع بإستمرار.

ولم ينفِ Hammond أنَّ للمثمِّن مسؤولية اتِّجاه المطوِّرين والمستثمرين من خلال تقييمه للعقار، لكن لا يمكنه التنبُّوء بحركة السوق، وأكبر تأثير للمثمِّن يكمن في موضوع شراء العقار، لا سيما إذا كان من خلال الرهن العقاري، وذلك لأنَّ المصرف عندها يوعز للمثمِّن بتقديم تثمين آمن له. وختم بالقول: ” أنَّه بمطلق الأحوال يبقى العرض والطلب المحرِّك الرئيسي للسوق”.

tatmeen sama beirut copy

قبرص .. المثمِّن العقاري عنصر تابع للسوق

أما Polys Kourousides، مدير عام شركة Total Valuations Chartered Surveyors (شركة متخصِّصة بالتثمين العقاري) وهو عضو أيضاً في هيئة RICS، ومدير قسم التثمين العقاري في شركة دورشستر كابيتال إنفستمنت ، أوضح أنَّ هنالك نوعين من الأساليب الرئيسية التي يجري إعتمادها في عملية التثمين وهي أسلوب المقارنة وأسلوب الدخل، مشيراً إلى أنَّ أسلوب المقارنة هو الأكثر شيوعاً، ويعتمد على مبدأ تقدير ما دُفع وسيجري دفعه في السوق. ولفت إلى وجود أساليب أخرى أيضاً للتثمين العقاري  ومنها العوائد المتوقَّعة، الربح الصافي، والتكلفة، لكنَّه رأى أنَّه لا يوجد طريقة مُثلى لتقدير قيمة العقار، وعادة ما يجري إعتماد عدَّة طرق، وتبقى الكلمة الفصل للعرض والطلب في السوق وهذا ما يحدِّد القيمة الفعلية للعقار.

أمَّا بالنسبة للمخاطر التي قد يتعرَّض لها المثمِّن العقاري فأشار Kourousides إلى ضرورة أن يتحلَّى المثمِّن العقاري بالخبرة اللازمة التي تخوِّله تقدير القيمة الحقيقية للعقار من خلال إعتماده أساليب التثمين المتعارف عليها دولياً، لافتاً إلى أنَّه يمكن تفادي أي خطر في حال تمتَّع المثمِّن بالنزاهة، وأضاف: “يمكن للهيئات الدولية مثل  RICS ضمان إستمرار تدريب أعضائها والتحكُّم بمستوى نزاهة المثمِّنين المنضوين تحت لوائها وبذلك لا يكون هنالك أي مجال لأي مخاطر في السوق”.

وحول مدى تأثير التثمين العقاري على  سوق العقارات وتضخُّم وإنكماش الأسعار فيها قال Kourousides: ” أنَّه جرى تعريف دور المثمِّن في عالم العقارات بأنَّه دور حاسم، فهو يتَّبع أساليب المقارنة ودراسة المبيعات من أجل التوصُّل إلى نتائج تتلخَّص بتحديد قيمة العقار، ولكنَّه في نهاية المطاف عنصر تابع للسوق وليس من يتحكَّم به، ولكن من جهة أخرى، وتبعاً لمعايير التقييم التي أصدرتها RICS، فإنَّه قد يكون للمثمِّن العقاري دور عليه أن يمارسه بنزاهة كي لا يؤدِّي التثمين إلى تضخيم الأسعار وبالتالي إلى أزمة مالية، وإستشهد ببلدان مثل إسبانيا والبرتغال واليونان وقبرص وقبلها دبي وبريطانيا وأميركا وغيرها من البلدان التي شهدت أسواقها فقاعات عقارية جرَّاء عمليات تعثُّر شركاتها ومصارفها. وفي المقابل فإنَّ التثمين الواقعي والنزيه للسوق يساهم في تعزيز وضعه. ويبقى المثمِّن العقاري من وجهة نظر  Kourousides يحتل موقع المتابع لا القيادي لسوق العقار.

وبمطلق الأحوال، يبقى للتثمين رغم إختلاف الآراء فيه، موقع في عالم العقارات، وتمتُّع المثمِّن بالكفاءة والخبرة اللازمتين،  شرط أجمع عليه جميع الخبراء، وتقاطعوا على أهميَّة إتِّباع المعايير الدولية في عمليات التثمين درءاً لمخاطر الأسواق العقارية التي نحن اليوم بغنى عنها بعد ما شهدته من أزمات وفقاعات عقارية.

tatmeen Cyprus advertising board mkp4b copy

Leave a Reply